‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات و ندوات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاضرات و ندوات. إظهار كافة الرسائل

تحديات البحث العلمي في الدراسات الإسلامية

يقصد بالبحث العلمي الأنشطة التي تعنى بدراسة ظاهرة أو أمر ما، للكشف عن حقيقته، وإبراز ما يحيط به من تداعيات وعلل، والاستفادة من نتائجها من بعدُ. وقد تكون نتيجة هذا النشاط خطابا يلقى في محاضرة أو ندوة أو مؤتمر، كما قد تكون بالتأليف والنشر، مقالة أو كتابا؛ جماعيا أو فرديا.
يقوم البحث العلمي على خطوات وإجراءات ومعايير معينة؛ هي مظنة تحقيق الهدف منه لدى الالتزام بها، وهي أمور بشرية موضوعة بعد عمر من التجارب والخبرات؛ يراد منها إدارة عملية البحث العلمي، وهي قابلة للتنقيح والتطوير، ولا تتصف بالثبات أبدا.
يجب أن ينطلق البحث العلمي –غالبا- من جهل وغموض أو إشكالية، يتبع ذلك فرضيات علمية دقيقة، يقدمها من توفرت فيه شروط الباحث كمتخصص وخبير، ثم تُفحص هذه الفرضيات بكل موضوعية، بسلوك منهج من المناهج المناسبة، ليثبت صدق الفرضية ويعمل بها كنتيجة علمية، أو يتخلف صدقها فيصرف النظر عن الفرضيات.
والدراسات الإسلامية تعنى بمعرفة الله والكون والإنسان (عقيدة، أو دين)، وتعنى بمعرفة حكم الله في أفعال المكلفين، وعلاقتهم مع بعضهم (فقه، وأخلاق أو تدين)، وبالمنهجية الصحيحة للوصول إلى ما مضى “علم اللغة، أصول الفقه، والمنطق أو الفلسفة.” وعمدة العلوم الإسلامية كلها الوحيان: القرآن والسنة، وما يدور حولهما.
الفروق بين البحث العلمي والدراسات الإسلامية
ثمة وجوه شبه بين الأمرين، ويمكن إيجاد الكثير من القوائم المشتركة، لكن يصعب أن تكون تلكم قواعدَ ثابتة تُتخذ القرارات عليها باسم الأمرين.
من أهم الفروقات ما يأتي:
  1. معايير مسمى “البحث العلمي” سهل التطبيق على العلوم التطبيقية، من هندسة وكيمياء وفلك ورياضيات وميكانيك، وإدارة واقتضاد؛ لأنها معنية بها وفصلت عليها. بينما العلوم الإسلامية معنية بتقرير نظريات وتهذيب سلوك أو بتعليم الناس على أن لها في ذلك منهجية علمية مغايرة.
  2. الغرض من البحث العلمي معرفة مكونات الكون والعمل على تسخيرها للإنسان بما يعود عليه وعلى مجتمعه بالخير والرفاهية. بينما الغرض من الدراسات الإسلامية تزكية الناس وأخذهم إلى الجادة الحقة والصراط المستقيم.
  3. وجود “إشكالية” عنصرٌ مهم جدا للشروع في البحث العلمي، بينما تعليم الناس أمور دينهم وما فيه صلاحهم في الحال والمآل لا يحتاج إشكالية. ومن هنا ينتهي الحديث عن إشكالية مدروسة في البحث العلمي، ولا يكتب فيها أيضاً، وتكون حقوق الطبع للباحث الأول، ومن أخذ منه اعتبر سرقة علمية لجهوده، بينما تكرار العلوم الإسلامية والتأصيل لها بأقوال السلف ونصوصهم عرى العلوم الإسلامية ولبها، وهي صدقة جارية.
  4. يعتبر إنهاء البحث أو المشروع العلمي بنتيجة علمية ملموسة عنصرا مهما، سواء لدى صدق الفرضية أو العكس، بينما إنهاء درس شرعي قد لا يحتاج إلى نتيجة ملموسة، إذا ما نوّر الشيخُ الطالبَ وحثّه على احترام الجار، والصدق في المعاملة مثلا! وحتى العلوم النظرية الأخرى من جغرافيا وتاريخ واللغويات يراد منها إنهاء الأمر بمشروع بحثي ملموس ومفيد قائم على دراسة ميدانية وخبرة عملية. وإن كان ذلك ممكنا في تلكم النظريات فإنه قليل الإمكان في الدراسات الإسلامية.
  5. مراعاة المصطلحات العلمية في الحقل مهم في البحث العلمي، والإطناب في الحديث واستخدام الوجوه البلاغية والتحسينية في الكلام والكتابة مرفوض في البحث العلمي، ومن هنا يمكن تحديد عدد كلمات البحث والمقال والكتاب. والعكس بالعكس، لأن المشاعر مطلوبة في الخطبة والموعظة.
تحديات البحث العلمي في الدراسات الإسلامية!
يتبنى الكثير -إن لم أقل الأغلب- من الجامعات والكليات في الحقول الأكاديمية ومؤسسات البحث العلمي النظم التعليمية ومعايير البحث العلمي القائم على ما تم ذكره، وبخاصة في مرحلة الدراسات العليا: الماجستير والدكتوراه. وذلك تلبيةً لمتطلبات الاعتراف والاعتماد الأكاديمي التي يقدمه الجهات المعنية، ولا شك أن أكثر هذه المعايير وافدة من الحضارة القائمة، السباقة في وضعها. من أهم التحديات ما يأتي:
  • هشاشة الموضوعات المعاصرة، وشيوع الجهل بالدين: يمكن إيجاد موضوعات في الدراسات الإسلامية تكون قابلة لتطبيق معايير البحث العلمي؛ مثل موضوع أسباب كثرة الطلاق في المجتمع الفلاني، سبل معالجة ظاهرة الإرهاب، إدارة المؤسسات الإسلامية على ضوء مؤسسة كذا.. لكن يبقى أن هذه الموضوعات ضئيلة جدا من جملة مفردات العلوم الإسلامية، وقد تكون هشة وقليلة الفائدة؛ مقارنة بالموضوعات التي تربي، وفيها ترغيب وترهيب وتعليم للناس، كأركان الصلاة، شروط وجوب الزكاة.. وهذه أمور مرفوضة لأنها قديمة ولا جديد فيها، والنتيجة هي الجهل بالدين.
  • انتشار إسلام معين: كانت الأمة الإسلامية المصدر الأول والوحيد لتلقي العلوم الإسلامية، وإلى علمائها وكتاباتهم يهرع الناس. وباسم البحث العلمي أصبح الغرب وعلمائها ومجلاتها أكبر مصدر للكتابات الإسلامية المعاصرة، وإن معظم دور النشر والمجلات العلمية في الجامعات العربية غير معترف بها في الغرب، أو تحتل الدرجة الأخيرة في تصنيف مصادر المعلومات. والنتيجة أن كتابات “جون” عن الإسلام صار يقرأ عالميا أكثر من كتابات “زيد”.
  • غرغرة اللغة العربية: هي باقية بإبقاء الله لها، ويتشرف بها كل مسلم؛ لارتباطها بالوحيين، لكنها تعيش غرغة، لأنها تتجه نحو القومية حينا، ويراد تعليم العلوم الإسلامية في كلياتها بلغات أخرى باسم المعايير.
  • فقدان عنصر القداسة: العلوم الإسلامية علوم مقدسة في الأصل، يبدأ بالحمد لله، والصلاة على رسول الله، ويراعي الأخلاق، ويوجد فيها خوف التصدي للإفتاء، ويختم بـ “والله أعلم.” وفيها ذكر العلامة والإمام الأكبر، ونرى ونذهب.. ومعايير البحث العلمي لا تحبذ أيا من ذاك. يكفي “يرى الباحث” “ويذهب الباحث”. على أن الموضوعات المدنية تكاد تطغى على مفردات أبحاث الدراسات الإسلامية المعاصرة على حساب الموضوعات المفروضة طرحها في الحقل. ناهيك أن في مسمى “الموضوعية” ما فيها من خلع القداسة والدين، والظهور على شكل علماني محايد!
  • غياب التأصيل العلمي: الأصل في العلوم الإسلامية الرجوع إلى نصوص القرآن والسنة، وأقوال المفسرين، والمحدثين، وآثار الصحابة والتابعين وسلف الأمة وسيرهم. وبكثرة الاقتباس والنقل وذكر قال الله، قال رسول الله، وحدثنا، وسمعت بقدر ما تؤتي العلوم الإسلامية أكلها. لكن البحث العلمي في أغلب المجلات والرسائل العلمية لا ترى ذلك بتاتا؛ بحجة أن الأمر مدروس، ما جديدك أنت؟!
  • إقصاء الدين: الطبقة المتعلمة والمثقفة تهتم بمصادر البحث العلمي، وهم صناع القرارات وواجهة الإعلام، والطبقة العامة تهتم بالعالم غير الأكاديمي غالبا، فارتقب حفظ الدين!
أخيرا، انتبه قوم إلى هذه التحديات منذ البدء فوقفوا ضد التعليم الغربي بالمرصاد، وترتب على هذا الموقف ما ترتب. ورأى آخرون أنه يمكن تبني النظام الأكاديمي والبحث العلمي بعد عملية “الأسلمة” ووضْع معايير مراعية لطبيعة العلوم الإسلامية، وما زالت طائفة لم يفطنوا إلى طبيعة الأمر!

بالفيديو.. «جمعة»: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «ركن الإسلام السادس»


الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق
قال الدكتور علي جمعة، مفتى الجهورية السابق، إن القول بأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو الركن السادس من أركان الإسلام للتعبير عن أهميته فى الدين ليس خطأ بل هى عبارة صحيحة، مضيفاً أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو من أساسيات الدين.

وأضاف «جمعة» خلال لقائه ببرنامج «والله أعلم» المذاع على فضائية «سى بى سى»، أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو فرع عن الإيمان بالله، مستشهدا بقوله تعالى: « كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ»، موضحا أن النبى –صلى الله عليه وسلم- عظم من شأن النصيحة فى الإسلام عندما قال: «الدين النصيحة»، والنصيحة جزء من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولذلك كان له أهمية كبيرة فى الإسلام.

حوار الأديان.. أو مواطنة حاضنة للتنوع

نشهد اليوم تسارعاً مرعباً للإقصاء الديني في المنطقة، نتج عنه، في العديد من الأحيان، عسكرة للطوائف في العراق ولبنان وسورية واليمن؛ حيث الكل يدافع عن نفسه بالسلاح بعد أن تآكلت الدولة، حتى دخلت المنطقة في صراعات طائفية تهدد التنوع المذهبي والديني والعيش المشترك الذي شهدته هذه البقعة لقرون عدة.
وقد شهدنا مقاربات عدة في السابق لهذه الظواهر، عجزت حتى الآن عن معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة. بعض الدول الغربية تدخلت في شؤون المنطقة في القرن التاسع عشر بحجة حماية "الأقليات"، فتدخلت فرنسا لحماية الموارنة، وروسيا لحماية الروم الأرثوذكس، وبريطانيا لحماية الدروز والبروتستانت، وما يزال بعض هذه الدول يتصرف حسب مفهوم الأقليات هذا. ونشهد اليوم المقاربة هذه نفسها، حين تدعم إيران الشيعة، وتركيا السُنّة، وغير ذلك من تدخلات خارجية تفاقم المشكلة بدلاً من حلها.
مقاربة أخرى يعتمدها البعض، تتمثل فيما يدعى "حوار الأديان". وقد جرى هذا الحوار عشرات المرات في دول كالأردن ولبنان والعراق وسورية وغيرها، بل وأدى العام 2004 إلى ولادة "وثيقة عمان"، التي توافق فيها عدد من رجال الدين السُنّة والشيعة البارزين على احتضان هذه المذاهب كافة، واعتبارها جزءاً من الإسلام وليس خارجه. لكن كل هذه المحاولات لم تنجح في إحداث التقارب المطلوب بين كل هذه الطوائف؛ لماذا؟
الحماية الخارجية أججت الصراع، فأصبحت الطوائف تنظر إلى الخارج لتأمين حمايتها، بدلاً من الاعتماد على مؤسسات دولها لضمان حقوقها. وحوار الأديان لم يحقق النتائج المطلوبة، لأنه بقي حواراً أكاديمياً نخبوياً بين بعض رجال الدين وأكاديميين، بمعزل عن أطر الحكم القائمة، وبالتالي بقيت نتائج هذا الحوار محصورة في دائرة ضيقة لم يتردد صداها على أرض الواقع.
حان الوقت لكي نسمي الأشياء بمسمياتها. ففي غياب مفهوم حداثي للمواطنة، يسهل الحديث عن طوائف وأكثرية وأقليات، وتعظّم الهوية الطائفية الفرعية على حساب تلك الوطنية الجامعة، وينقسم الناس إلى "نحن" و"هم"؛ فتصبح "نحن" رديفة للصديق، و"هم" رديفة للعدو، فيما يفترض أن يكون الاثنان شركاء في وطن واحد.
لا ينبغي، إذن، قبول مبدأ الحماية الخارجية، لأنه يؤدي إلى تفكيك الأوطان. ولا مجال للحديث الجدي عن حوار الأديان من دون ربطه بالمواطنة الحاضنة -لا المستوعبة فقط- للتنوع. حين يطرح الموضوع في إطار المواطنة المتساوية للجميع، المحتفية بتنوع المجتمع، تصبح الخلافات المذهبية ليست ثانوية فقط، وإنما أيضاً مصدر قوة لمجتمع تعددي يحتضن الآراء والمذاهب كافة. وبهذا يغادر الحوار بين الأديان الإطار الأكاديمي البحت، ليسلط الضوء على معاملة الجميع على أساس أنهم مواطنون ومواطنات متساوون في الحقوق، بغض النظر عن أعدادهم أو مذاهبهم.
لم يكن العالم العربي بحاجة أكثر من اليوم لعقود اجتماعية جديدة، تتم قوننتها عن طريق دساتير جديدة تعترف بالمواطنة المتساوية الحاضنة للتنوع، بغض النظر عن طوائف أو أصول أو آراء الناس، رجالاً ونساءً، فعلاً لا قولاً، فتعطي الحماية المطلوبة للمجتمع من دوله، بدلاً من أن يطلب هذه الحماية من الخارج، أو يسلح البعض نفسه ضد إخوانه وأخواته.
تونس خطت خطوة مهمة في مجال طمأنة شرائح المجتمع كافة إلى نظم حياتها، فيما تحتدم المعارك والاضطرابات في مشرقنا العربي، لأن أحداً لا يريد الخوض في المفهوم الحقيقي للمواطنة.
مروان المعشر
كاتب ووزير أردني سابق

أمة واحدة

الحمد لله الذي ألَّف بين قلوب عباده المؤمنين؛ فأصبحوا بنعمتهِ إخوانًا، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّه محمَّدٍ وعلى مَن كانوا له في الحقِّ أنصارًا وأعوانًا.
وبعدُ، فقد أمر الله المؤمنين بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. وقال سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]. وفي الآية الأخرى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]. وهذا خبرٌ مُراد به إنشاءُ الأمر كما في آية آل عمران، وإلاَّ فقد افترق النَّاس وافترقت الأمَّة، بل قال اللهُ تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48]، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118].
وفي حديث العِرباض بن سارية المشهور عند أبي داود والترمذي وغيرهما، قال رسول الله : "إنَّه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسُنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنَّواجذ" الحديث.
والواجبُ أن يلتزمَ المؤمنون أمرَ الله فيكونوا جميعًا من الأمة الواحدة التي أرادها الله، الأمَّةِ المؤمنةِ الآخذة بالكتاب والسنة، الموفَّقةِ للسَّير على نهج سلف الأمَّة، وما كان عليه الأئمَّة، وأن يترُكوا سُبُل الأمم الأخرى، ولا سيَّما في هذا الزمن الذي تداعت فيه الأمم على أمة الإسلام، كما تداعى الأَكَلَةُ على قصعتها.
ومَن نظرَ علمَ أنَّ الأمة يُكادُ لها: في السودان وفي الصومال وفي #العراق وفي أفغانستان وفي اليمن وقبل ذلك في فلسطين، ويُقصدُ إلى تفرقتها وتجزئتها في غير مكان، ولا سبيلَ لصَدِّ العدوان ومواجهة مخطَّطات التَّفرقة، إلا بأن تعتصمَ الأمَّةُ بكتاب ربها وسنة نبيِّها على فهم الصَّدر الأول، فَهْمِ سلف الأمة من الصَّحابة ومَن بعدهم من خير القرون، الذين فقهوا عن الله مراده، وعن الرَّسول  رسالته؛ وبذلك نهضوا فكانوا أمَّةً واحدة، شرَّقَتْ وغرَّبَتْ ففتحت الآفاق، ونشرت الضِّياء، وأهدت للبشريَّة الرَّحمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
فهلاَّ اجتمعنا مؤتَسين بهم، متَّبعين طريقهم؛ لنسودَ كما سادوا، فبهذا تصلُح الأحوال، وإنَّه لن يصلُحَ آخِرُ هذه الأمة إلا بما صَلَحَ به أوَّلها: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ} [الزُّخرف: 43، 44].
فعليكم بكتاب الله وسُنَّة رسوله  وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعده، عضُّوا عليها بالنَّواجذ، كما في حديث العرباض بن سارية المتقدِّمةِ الإشارةُ إليه. واللهَ نسألُ أن يجمع المؤمنين على أسباب العزَّة: الكتاب والسُّنَّة، والله المستعان.

المصدر

حياء الصحابة

عثمان رضي الله عنه أشد الأمة حياءً بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: (الحياء ملءٌ من الإيمان، وأحيا أمتي عثمان) أشدها حياءً عثمان رضي الله عنه، أمير البررة وقتيل الفجرة، ذو النورين عثمان رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: (ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة).
وكذلك كان رضي الله عنه إذا اغتسل، يكون في البيت والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء وإنما يغتسل بثوبه، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه، وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيتٍ مظلم تجاذب وحنا ظهره، يمشي منحني الظهر حتى يأخذ ثوبه، مع أنه ليس حوله أحد، ولا ينتصب قائماً حياءً.
وعن أنس قال: [كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إذا نام لبس ثياباً عند النوم، مخافة أن تنكشف عورته] هكذا كان الصحابة، جاء أحدهم إلى مجلسٍ ممتلئ، فوجد فرجة فجلس والثاني جلس خلفهم استحيا فاستحيا الله منه. فعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام معنى الحياء، فقال صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله تعالى حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى -ماذا يوجد في الرأس يا عباد الله؟ اللسان والفم والعينين والأذنين- وليحفظ البطن وما حوى -أي: احفظ بطنك من المال الحرام، الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى من هذه الأعضاء المجاورة له والواقعة فيه، واحفظ البطن وما حوى- وليذكر الموت والبلاء، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) حديث حسن، هكذا علمنا صلى الله عليه وسلم.
وقرب لنا الفكرة كيف نستحي من الله، فقال عليه الصلاة والسلام لرجل قال له وصية: (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) هذا للتقريب، كيف تستحي من الرجل الصالح من قومك؟ ينبغي أن تستحي من الله أكثر من هذا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الحياء، وأن يباعد بيننا وبين الفحش والبذاء، وأن يرزقنا التقوى والتقى والعفاف والغنى، إنه سميع مجيب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
إنما الدنيا لأربعة نفر...!

إنما الدنيا لأربعة نفر...!

ينقسم الناس في تعاطيهم مع أمور الدنيا إلى أحوالٍ أربعة، لخَّصها النبي الكريم - صلوات ربي وسلامه عليه - في حديث عظيم من جوامع كلمه، فعن أبي كبشة الأنصاري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أحدثكم حديثا فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصِلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبِط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

هذا الحديث الجامع لأنواع الناس وأحوالهم تجاه ما ينعم الله به عليهم في الدنيا، يستهله - صلى الله عليه وسلم - بكلمات تبعث على الاهتمام بما سيُقال، وتجعل السامعين يتطلعون لما سيذكره، حيث قال: (أحدثكم حديثا فاحفظوه)؛ ولذا ينبغي على دعاة الخير فعل ذلك في المواضع المهمة التي تستلزم الرعاية والعناية.

ثم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما الدنيا لأربعة نفر): أي إنما حال أهلها حال أربعة، اثنان عاملان، واثنان تبع لهما، فالثاني تبع للأول، والرابع تبع للثالث، وقد ذكر الدنيا - رغم أنها تشمل الدنيا والآخرة كما سيأتي - ليصبِّر الناس على طلب العلم، ويخبرهم أن العلم يجلب خيري الدنيا والآخرة، وأيضا فإن من طلب الدنيا بالعلم نال الدنيا وحازها، فالعلماء سلاطين غير متوّجين، والعامة تخضع لهم أكثر من خضوعهم للسلطان؛ لأن العلماء يملكون سلطان الحجة الذي يخضع له القلب، بينما السلاطين لا يملكون إلا سلطان اليد؛ الذي قد لا يخضع البعض له، وعلى كل حال فالناس لا يخرجون عن أحوال أربعة:

عالم غني

الأولى: عالم غني (عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل)، يتخيّر الله تعالى من يرزقه المال أو من يرزقه العلم أو من يرزقه العلم والمال معا، فإذا رُزق العبد العلم والمال معا كانت تلك أفضل منزلة، وذلك لاقتران العلم بالعمل، لأنه سيعمل في ماله بعلمه.

وقد حثنا الله جل وعلا على العمل بالعلم، وذم من لا يعمل بعلمه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف: 2-3)، وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه, وأنهى عن المنكر وآتيه)، وسُئل سفيان الثوري: طلب العلم أحب إليك أو العمل؟ فقال: «إنما يراد العلم للعمل, فلا تدع طلب العلم للعمل, ولا تدع العمل لطلب العلم».

وقد دلت عبارة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن بركة المال لا تكون إلا إذا أُنفق بشرطين: العلم بما ينفق من أبواب الخير، والإخلاص، وهذان شرطا العبادة: الإخلاص لله، وأن يكون العمل على بصيرة وعلم.

كما دلت العبارة على أن صلة الرحم من أعظم القربات، وأن من أسباب تقوية صلة الرحم: العون المادي، فقد يكون قريبك فقيرا فإعطاؤك له مما أعطاك الله يزيد الأواصر، كما أن طلبة العلم الفقراء هم أولى الناس بالعون، إذا كانوا غير قادرين لأن نفعهم يتعدى، وعلى دعاة الخير أن يكونوا أسبق الناس في هذا الأمر، ورحم العلم أبلغ من رحم القرابة.

كما ينبغي على العالم تعليم العلم وبذله لمن يستحقه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلِّد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب) رواه ابن ماجة في سننه.

عالم فقير

الثانية: عالم فقير (وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء) ينفع الله تعالى بصاحب العلم أكثر مما ينفع بصاحب المال، لأن العلم غذاء للقلوب والأرواح، والمال غذاء للأبدان، وغذاء القلوب أعظم من غذاء البطون، وإذا صدق الإنسان في نيته فإن الله يثيبه على ذلك، ويكتب له الأجر كما لو فعل، وذلك أن النية الصادقة سبب في حصول الأجر وهي شرط لصحة الأعمال، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق عليه، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول في غزوة تبوك بعد أن رجعنا: (إن بالمدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا هبطتم واديا إلا وهم معكم، حبسهم المرض) رواه الإمام أحمد، وكما أن النية تجعل المرء يحصل على أجر العمل إذا حيل بينه وبين العمل، فإنها أيضا تجعل العمل كبيرا وإن كان صغيرا، يقول عبد الله بن المبارك: «رُبّ عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية»، وقال سفيان الثوري: «كانوا يتعلمون النية للعمل، كما تتعلمون العمل».

فهذا الرجل تمنى أن يكون له مال كمال الأول وعلم كعلمه, حتى يؤدي حق الله فيهما, ولذا أُجِرَ على هذه النية الصالحة, قال يحيى بن أبي كثير: «تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل».

غني جاهل

الثالثة: غني جاهل (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل)، وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشر الناس لأنه سفيه لا يحسن التصرف في المال فيبدده ويضيعه, وقد نهى الإسلام عن إعطاء السفهاء الأموال, وأجاز الحجر على مال السفيه، قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا} (النساء: 5)، وكذا حرم الإسلام تبذير المال وإضاعته, قال تعالى: {وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} (الإسراء: 26-27)، وأوجه كثرة الإنفاق ثلاثة:

أولها: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعاً، فلا شك في منعه، وهو المقصود معنا في هذا النوع (لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله حقا).

وثانيها: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور في الحديث (يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا).

وثالثها: إنفاقه في المباحات بالأصالة، كملاذّ النفس فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف، والثاني: ما لا يليق به عرفاً، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما يكون لدفع مفسدة ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف، والثاني ما لا يكون في شيء من ذلك، فالراجح أنه إسراف.

وزعيم هذه الطائفة المذمومة من الناس (قارون)، فقد آتاه الله مالاً ولم يؤته علما، قال الله عنه: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص: 76-77).

فقير جاهل

الرابعة: فقير جاهل (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) دائما ما تكون سوء النية سبباً في حصول الوزر، فهذا الرجل وقع بجهله في سوء النية، فتمنى أن يكون له مالٌ مثل مال هذا الرجل الذي يخبط في ماله بغير علم, فلا يؤدي حق الله تعالى فيه؛ ولذا تحمَّل وزرًا على هذه النية السيئة، وليس هذا بظلم له، لأن الله تعالى علم من نيته أنه لو أُعطِي مثل صاحبه لأفسد وفسق، وأيضا لكونه لم يأخذ بالأسباب الموصلة للعلم ورفع الجهالة عن نفسه، نسأل الله أن يعافينا من ذلك، وأن يرزقنا النية الصالحة والعلم النافع والعمل الصالح.