‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب جمعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب جمعة. إظهار كافة الرسائل

شهر الله المحرم بين التعظيم والشكر

الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين وجعلنا مسلمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر أن نعبده مخلصين له الدين حنفاء ونقيم الصلاة ونوتي الزكاة.  ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وكل من سار سيرهم ونهج نهجهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله:
      لقد حل علينا عام هجري جديد، نسأل الله تعالى أن يرزقنا فيه الهدى والتقى والعفاف والرضا والغنى، وأن يكون عام خير ورشد علينا وعلى جميع أفراد الأمة.
والعام الهجري الجديد كما هو معلوم يبدأ بالشهر المحرم؛ وهو أحد الأشهر الحرم التي جاء ذكرها وتعظيمها في القرآن الكريم على سبيل الإجمال في قوله تعالى:((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)). وقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإجمال ، وبيَّن أن الأشهر الحرم هي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، قال صلى الله عليه وسلم : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضَر الذي بين جمادى وشعبان).وقد نقل ابن كثير في تفسير قوله تعالى ( فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) عن قتادة قوله: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا ، من الظلم فيما سواها ، وإن كان الظلم على كل حال عظيما ، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء .

أيها الإخوة:
     إن شهر الله المحرم لا يكون تعظيمه فقط بالاحتراز من الوقوع في المعاصي والمخالفات، وإنما يكون كذلك بعمل شيء من الطاعات فيه زيادة على الفرائض والواجبات ، وقد تعين الصوم فيه كقربة يتقرب به العبد إلى ربه عز وجل . ولهذا عدّ الصوم في هذا الشهر من أفضل الصيام بعد رمضان كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ". صحيح مسلم.
ولا يخف عليكم يا عباد الله ما في عبادة الصيام من فضل،فقد جاء في الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إَِلا بَاعَدَ اللَّهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا.  صحيح مسلم.
كما لا ننس يا عباد الله أن يوم عاشوراء هو أحد الأيام المشهودة من هذا الشهر،وقد سن لنا عليه الصلاة والسلام صيامه وأخبرنا بأنه يكفر السنة الماضية،قال  صلى الله عليه وسلم : " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ " رواه مسلم.
لقد كان يوم عاشوراء يوما عظيما ،لأنه اليوم الذي أهلك الله فيه فرعون وجنوده ونجى فيه سبحانه وتعالى نبيه موسى عليه السلام وقومه. ونظرا لمكانة هذا اليوم عند الله فقد أوحى لنبيه بأن يعظمه فهو صلى الله عليه وسلم وأمته الأحق بموسى في التذكير بهذا اليوم بدلا من اليهود الذين خانوا العهود وبدلوا المواثيق، ولهذا صامه صلى الله عليه وسلم وأمر أمته بصيامه كما جاء عن ابن عباس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" البخاري.
ولما كانت أمة الإسلام متميزة في دينها وعبادتها على سائر الأمم عزم عليه الصلاة والسلام على مخالفة أهل الملل في تعظيم عاشوراء ولو بزيادة يوم قبلها، ولكن َلم يأْت العام الْمقبِل، حتَّىٰ تُوُفِّيَ رسولُ اللّهِ  كما جاء في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حين قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود والنصارى قال : " فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع " وفي رواية " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع "أخرجه مسلم.
معاشر المسلمين:
فكما ذكّرنا صوم رمضان بنزول القرآن في إحدى لياليه،فإن صوم شهر المحرم أو بعض أيامه يذكرنا بمعجزة عظيمة وهي هلاك فرعون الذي قال للناس ذات مرة (ما علمت لكم من إله غيري)،ففرعون ذي الأوتاد والذي طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد ما عاد يتأله ويطغى بعد هذا اليوم-أي اليوم العاشر من محرم-،  لقد  صبّ الله عليه سوط عذاب،وجعل من هذا العذاب آية للناس،ليتبين لهم أن الله تعالى بالمرصاد لكل من تسول له نفسه افتراء الكذب على الله على أنبياءه عليهم السلام،وليعلم في الأخير أن مصيره سيكون في الأذلين،وأن كل من يعادي أولياء الله من المؤمنين وعباده الصالحين سيكون مآله المحاربة من قبل الله كما جاء في الحديث (من عادى لي ولي فقد آذنته بالحرب).أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الخطبة الثانية:
         الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على سيدنا المصطفى وعلى آله وأصحابه من أهل الإخلاص والوفاء، وبعد:
        لقد علمتم يا عباد الله كيف أن  الله عز وجل أغرق عدوّه في اليم ،ونجَّى كليمه موسى عليه السلام،وصار بعد ذلك  موسى يصوم هذا اليوم شكرا لله وبقي أتباعه كذلك يصومونه إلى أن لحق بهم نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام فصامه هو كذلك شكرا لله وتعظيما له وأمر أمته بصيامه.وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لنا: أحسنوا للذي أحسن إليكم وآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات واشكروه على هذه النعم ، (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان).
عباد الله:
فنحن مطالبون بالإحسان إلى الله أولا لما أسبغ علينا من نعم ظاهرة وباطنه،وعليه يتحتم  علينا فعل المزيد من الطاعات.كما يجب علينا أن نحسن لجميع مخلوقات الله وعلى رأسها أخينا وبني جلدتنا الإنسان ،وأن الأولى بالإحسان من بني الإنسان هو المسلم ذي الحاجة فمن كان في عون أخيه كان الله في عونه،وهكذا نكون قد شكرنا الله تبارك وتعالى،فكيف وقد افترض الله علينا إخراج الصدقات وتقديم المساعدات أفلا نطيع ربنا جل وعلا وقد أمرنا بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم،قال تعالى: (و أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) آل عمران الأية 132.والزكاة كما هو معلوم ركن أساسي من أركان الإسلام الخمس مثلها مثل الصلاة والصوم والحج،وهذه الزكاة من أخرجها طائعا لله وراضيا بحكمه فقد أدى حقها وستعود على نفسه بالطهر والصفاء والنقاء،وعلى ماله بالنماء والبركة كما أخبر القرآن في قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلواتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).التوبة الأية 103.
أيها الإخوة :
لقد اعتاد الكثير منّا إخراج أموال زكاته في شهر الله المحرّم ، وفي مناسبة عاشوراء ذاتها حتى صاروا يسمونها "العشور" اشتقاقا من هذه المناسبة.
وقد كانت هذه الأموال في الماضي تخرج بطريقة عشوائية، حتى يعسر في كثير من الأحيان على المزكين إيجاد من يستحق هذه الزكاة ليعطونه إياها، أما اليوم أيها الإخوة الأعزاء: فإن كل ما يعيق آداء هذه الشعيرة قد زال؛ فصندوق الزكاة قد تكفل بهذا الأمر، فهو مؤسسة المواطنين يديرونها بأيديهم، ويأخذ منهم ويعطي لهم، وبهذا  فهي ترفع الحرج والمشقة عليكم وتضمن وصول أموالكم إلى أهلها، ونكون بهذا قد أحيينا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في تحصيل الزكاة وصرفها في مصارفها المنصوص عليها في القرآن في قوله تعالى:(إِنَّمَا ألصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)  سورة التوبة /الآية 60.
واعلموا عباد الله أن وراء هذا الصندوق رجال من العلماء والكرماء ينشطون ويسهرون على حسن تسييره وإدارته، وهم ،يعملون لحد الساعة لوجه الله وينتظمون في شكل لجان قاعدية وهي العمدة والأساس، وأخرى ولائية مهمتها الإشراف والمتابعة، وهناك اللجنة الوطنية في أعلى المستوى التنظيمي، وقد وضعت الوصاية حسابا بريديا خاصا لكل صندوق ولائي، كما أن للصندوق الوطني حسابا بريديا خاصا به. ولا شك أن هذه الإجراءات التنظيمية تضفي على المشروع الشفافية وتزيد من طمأنة المواطنين سواء أكانوا مزكين أم محتاجين أو غيرهما،لأن الثقة تبعث على الراحة والاطمئنان كما أشار القرآن الكريم في الحوار الذي دار بين الله تبارك وتعالى وخليله إبراهيم عليه السلام :(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)البقرة الآية 260. فهذا التنظيم - بلا شك - سيعطي الصندوق المزيد من النتائج بعد التي كانت عليه في السنوات الماضية، وستفرحون إنشاء الله بهذا الإنجاز ولو بعد حين.
عباد الله :
     نصيحتي إليكم في الأخير ونحن في هذا الشهر العظيم: أن نتعاون جميعا من أجل إنجاح المبادرات الخيرة وهي لا شك أنها من أعمال البر والتقوى، وأن نكون دائما وأبدا كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تواد وتعاطف وتراحم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وقدموا لأنفسكم في هذه الحياة قبل مجيء المماة، واعلموا أن ما تقدموه من خير تجدونه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.
أعاننا الله على ما فيه الخير والصلاح  وبارك الله في سعيكم وعطائكم، وحفظكم  ورعاكم ، وجعل الجنة متقلبكم ومثواكم.

                                                                              من إعداد الأستاذ: عبد الحفيظ حمزة –  إمام بولاية الطارف

الحج فضله وآثاره ومعانيه

الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وأمرنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، أحمده سبحانه وتعالى أعز دين الإسلام بما شرع من قوانين وأحكام، وأمر خليله إبراهيم عليه السلام أن يؤسس البيت الحرام على هيئة فريدة النظام.
وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العلام، الذي اختار للبيت أشرف مقام وطهره من الشرك والآثام وحرر أهله من عبادة الأصنام وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله خير من حج وخير من اعتمر اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها المسلمون:
فيقول الله تبارك وتعالى : " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليـه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" آل عمران الآية 96-97.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من حج فلم يرفت ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه). رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة.
أيها المسلمون:
إن الحج ركن من أركان الإسلام الخمس وقاعدة من قواعد الدين المتينة وضرورة من ضروريات الحياة المثلى شرعه الله لآداب سامية عالية، وحكم اجتماعية راقية، ومعاني روحية دقيقة لا يدركها من الناس إلى أرباب العقول السليمة والأفكار السامية والنظر البعيد، وذلك حين يخرج المؤمن من بيته وقد بذل ماله وراحته وفارق أولاده وزوجه وأهله وجيرانه وإخوانه ومحبيه وبلده ووطنه قاصدا حج بيت الله الحرام يدفعه الشوق إلى عرفات ويجذبه الغرام إلى منى ويحدوه الحنين إلى طيبة، لتكتحل عيناه بمكة وآثارها، وبالمدينة وأنوارها حيث هناك الروح والريحان والأجر والغفران، والرحمة والرضوان حيث تشفي القلوب وتهنأ الأرواح ويستجاب الدعاء، وكيف لا تشفى قلوب شربت من ماء زمزم الصفي، وكيف لا تهنأ أرواح سعدت بمشاهدة الآثار المقدسة؟ وكيف لا يستجاب دعاء قوم امتزجت أنفاسهم بأنفاس الملائكة المقربين؟ إن هذا الموقف العظيم له عظمته وشأنه عند الله وكيف لا وقد توافد إليه عباده المخلصين من كل فج عميق، يرجون رحمته ويخافون عذابه، وإن رحمة الله قريب من المحسنين فتراهم على كثرتهم وقد تجمعوا في مكان لا يتجاوز بضعة أميال، ناسين الأهل والولد والأموال والتجارة والعادات والتقاليد، والرتب والألقاب وأوسمة وعلى اختلاف أجناسهم وأوطانهم وطبقاتهم ومنازلهم. ينتسبون إلى دين واحد ويقفون في مكان واحدا ويلبسون زيا واحدا ويهتفون بدعاء واحد لرب واحد ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، فلا ينصرفون إلا وقد سحت عليهم سحائب الرحمة، وصب عليهم وابل الغفران وتحقق لهم كل أمل واستجيب لهم كل دعاء ورجاء، فيا له من موقف عظيم يفبض بالروعة والجلال وينطق بعزة الإسلام والمسلمين لو كانوا يعقلون.
أيها المسلمون:
والحاج في ظل هذه المعاني والمشاعر والروابط التي تربط المسلمين ببيت الله الحرام وبانيه ومشيديه يجب عليه أن يقدر هذا الموقف حق قدره ويكون أحسن ممثل لبلده ولدينه وأن يكون حقا عضوا في كامل العضوية في وفد الله الذي قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وأن استغفروه غفر لهم) رواه النسائي وغيره عن أبي هريرة.
إخوة الإيمان:
أيضا مما يهدف إليه الإسلام في تشريع الحج إنه قرر مبدأ الأخوة الإسلامية على مستوى العالم حيث يجتمع الحجاج من أقطار الأرض ولكل منهم جنسه ولونه ولغته وعاداته وتقاليده، ولابد أن يسود مبدأ الأخوة بين الجميع، ولذلك أغلق باب الشحناء عليهم في قوله: " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" وكل إنسان ملزم أن يكف نفسه عن قبيح الكلام وعن الخروج عن جادة الإسلام، وعن النقاش والجدال بقصد التفوق على الغير، فهذه الثلاثة هي التي تورث العداوة وتذهب بالحب، فمتى كف نفسه عنها كان قوله جميلا ودينه متينا، غير منازع غيره على التفوق والتصدر والرئاسة، وهذا هو التدريب الحكيم والعظيم على تأسيس الأخوة بين أمم العالم المسلمة، لاسيما وأن كلا منهم تجرد عن زينة الحياة، وأشرف بروحه ووجدانه على مشهد من مشاهد التوجه إلى الله ممتثلا في التوجه إلى بيته العتيق.
بعيش الحاج في أعماق التاريخ البعيد عند بيت الله الحرام، فيتذكركم من الأنبياء طافوا به حجاجاً قبل إبراهيم وبعد إبراهيم عليه السلام، وكم هجر الناس حرمة البيت فنصبوا حوله الأصنام وعقدوا حول أحلاف العدوان والحرب وطافوا حوله عرايا، وكم عانى رسول الله صلى الله عليه  وسلم من المصاعب هو ومن معه من نجوم الهدى حتى ردوا للبيت حرمته، وطهروه من الأوثان والأرجاس والأوهام، وكم من الملايين طافوا به من المسلمين، وكم تنزلت رحمات الله من حوله غيثا مدرارا لا يقطع، يحسُّ الحاج كل هذه المعاني بوجدانه فيستغرق في حبه لله ولبيت الله ولعباد الله ويتحول إلى إيمان يجسد في سلوكه، وتلك هي غاية الإسلام من تشريعات الحج ومناسكه المباركة.
نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين.أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه غفور رحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين سهل لعباده طريق الخير والسعادة ودعاهم إلى حج بيته الحرام، ليمحو عنهم الذنوب والأوزار، وهيأ لهم بمنه وكرمه سبل الأمن والراحة والاطمئنان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وفق من شاء من عباده لحج بيته وإجابة دعوة ربه فلى مسرعا ولبيته قاصدا ولشعائره معظما وبنبيه مقتديا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله بالحنفية السمحاء على فترة من الرسل شريعة غراء هادية مهدية إلى أقوم طريق وأهدى سبيل، اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها المؤمنون:
فيقول تعالى : " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجلا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم " الحج الآية 27.
إخوة الإيمان: إن الأراضي المقدسة وما لها من ذكريات، وشعائر الحج وما لها من أثر في النفس وقوة في الجماعة، وما لها من إيحاء في الفكر والسلوك...
كل هذا يترك أثره واضحا في أعماق المسلم فيعود من رحلته أصفى قلبا، وأطهر مسلكا وأقوى عزيمة على الخير، وأصلب عودا أمام مغريات الشر، وكلما كان حجه مبرورا خالصا لله كان أثره في حياته المستقبلية يقينا لا ريب فيه.
حيث أن هذه الشحنة الروحية العاطفية تهز كيانه المعنوي هزا، بل تنشئة خلقا آخر، وتعيده كأنما هو مولود من جديد يستقبل الحياة وكله طهر ونقاء، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفت ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
جعلني الله وإياكم من المهتدين بهدي الإسلام المتبعين لسنة سيد الأنام، وفقنا الله جميعا إلى الذهاب إلى بيته الحرام، اللهم أصلح لنا أحوالنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، وأختم بالصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا، وتوفنا وأنت راض عنا، الله آت نفوسنا تقواها وزكيها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها فيا نعم المولى ويا نعم النصير، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا وأجعله الوارث منا يا رب العالمين.
عباد اله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون
بقلم  الإمام: إسماعيل أمحمد

خطبة نمودجية لعيد الأضحى المبارك

الخطبة الأولى:
الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الله أكبر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، الله أكبر كلما رجع مذنب وتاب، الله أكبر كلما استغفر عبد وأناب، لا إله إلا الله ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ))[القصص:68].
لا إله إلا الله ((هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ))[ص:49] لا إله إلا الله يفعل ما يريد، لا إله إلا الله ذو العرش المجيد، لا إله إلا الله رب السموات والأرض وهو على كل شيء شهيد، الله أكبر ما لبى الملبون، وطاف الطائفون، الله أكبر ما ضحى المضحون، الله أكبر ما امتلأت من الخشية الجفون وانهمرت بالدموع العيون. الحمد لله الذي سنّ سنن الهدى، وجنبنا مواقع الردى ونصرنا على العدا، وتاب علينا وهدى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليّ كل نعمة وصاحب كل فضل، ((وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ))[النحل:53]، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، أرحم الناس بالناس، وخير الناس للناس، كان بين الناس رجلا، وبين الرجال بطلا، وبين الأبطال مثلا،
يا زائرا قبر  الحبيب الهادي*****بلغ رسول الله شوق فؤادي
إني بحبك يارسول الله متيم*****وزيارتي إليك كل مرادي
اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أما بعد؛
فيا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا يوم عيدكم قد وافاكم في صباح مبارك في يوم النحر العظيم ، ترجون من الله العظيم أن يفيض عليكم من فضله وإحسانه ما تسعد به قلوبكم وتقرّ أعينكم، وقد جرت إرادة الله سبحانه وتعالى في سنّ أعياد المسلمين على حكمة ارتبطت بها، وفلسفة قامت عليها وهي أن يكون العيد بعد فراغ المؤمنين من فريضة معينة.
فعيد الفطر يأتي بعد أداء المسلمين لفريضة الصوم، وعيد الأضحى بعد أن يؤدي الحجيج الركن الأعظم لحج بيت الله الحرام، وهكذا يحس المسلمون بمعنى العيد أنه وقفة يسيرة بعد رحلة شاقة، وأنه فسحة طيبة للعبد بعد أن خاض غمار عبادة مضنية، وأنه جائزة الحق سبحانه وتعالى لمن استجاب لله وللرسول صلى الله عليه وسلم. فهو مظهر من مظاهر الدين وشعيرة من شعائره المعظمة التي تنطوي على حكم عظيمة ومعاني جليلة، وأسرار بديعة لا تعرفها الأمم الأخرى في شتى أعيادها.
فالعيد في معناه الديني شكر الله على تمام العبادة، التي تختلج  في سرائره رضا واطمئنانا، وتتجلى في علانيته فرحا وابتهاجا، وتسفر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس والطلاقة ، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة، وهو في معناه الإنساني يوم تلتقي فيه قوة الغني وضعف الفقير  على المحبة والرحمة والإحسان، وهو في معناه النفسي حد فاصل بين تقييد تخضع له النفوس وتسكن له الجوارح، وتطمئن به القلوب، وبين انطلاق تنفتح له أبواب المسرات والملذات، وهو في معناه الزمني قطعة من الزمن خصصت لنسيان الهموم والأحزان، والتقاط الأنفاس، وتهدئة الأعصاب ، لتستأنف بعد ذلك رحلة أخرى من مراحل الجهاد الروحي والحياة الخاشعة النقية المخبتة ، وهو في معناه الاجتماعي يوم الأطفال يفيض عليه الكبار بالفرح والمرح و يوم الأرحام تجتمع على البر والصلة والتسامح والتزاور ويوم الأصدقاء يجددون فيه أواصر الحب، ودواعي القرب، وأساب الإخاء، ويوم النفوس الكبيرة تتناسى أضغانها وتلتقي فيه الأرواح قبل الأشباح وتتصافح القلوب قبل الأيدي.
عباد الله :
لقد ربط الله تعالى عيد الأضحى بأعظم قيمة في هذه الحياة وهي التضحية التي هي في أبسط معانيها أن يتنازل الفرد عما يملك مما لايحتاج إليه لمن لا يملك شيئا، ولكنها في العبودية أعمق أثرا، وأبعد غورا، وهي أن تضحي بأهوائك وشهواتك وميولك في سبيل نيل رضوان الله واتقاء سخطه،  وهذا الذي تذكرنا به قصة الفداء الخالدة في أعماق التاريخ الإنساني التي صار بها الخليل خليلا، ثم جعله الله منارا للناس وسبيلا، واستحق أن يكون لوحده أمة، قال تعالى : ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [النحل:120] فلقد أمر بذبح  فلذة كبده وبكورته وبكره على حين وهن عظمه وكبر سنه وخلو ساحته، فلبى ذلك طائعا مذعنا رضيا مستسلما ، فكان ذلك هو البلاء المبين له ولولده البار الطائع المستميت في طاعة ربه وراحة والده وكان هذا تمام الكلمات التي ابتلى بها في قوله تعالى :
((وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)) [البقرة:124] .
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولهذا أيها المسلمون خلد الإسلام هذه الذكرى بتشريع الأضاحي والهدايا  يوم النحر وجعلها من معالم الدين وشعائره الكبرى في قوله تعالى: ((وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)) [الحج:36].
وهي من أحب الأعمال إلى الله تعالى في هذا اليوم لما صح عنه صلى الله عليه وسلم :
( ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم وإنها لنا لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا...) رواه ابن ماجة والترمذي.
فأعظم ما في هذه التضحية صلة العبد بربه والتقوى التي تشعّ من تصرفه على هذا النحو المرضي، أما الدماء واللحوم فننالها نحن لقوله تعالى: ((لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)) [الحج: 37].
ولهذا استحب للمؤمن أن يشهد أضحيته وإن كان لا يحسن الذبح لما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنوبك..." رواه الإمام الترمذي.
عباد الله:لقد جعل الله هذا النسك سبيلا لذكره وشكره والإنابة إليه فقال تعالى: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ)) [الحج:67]، ولذلك من أعظم ما تزين به أيامنا هذه –أيام التشريق- بالتكبير والتهليل الذي يبدأ في عمومه مطلقا بدخول شهر ذي الحجة، أما الذي هو دبر الصلوات فيبدأ بعد ظهر النحر إلى فجر اليوم الرابع وصيغته "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله – الله أكبر الله أكبر ولله الحمد"
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر، الله أكبـر أما بعد، فيا أيها المسلمون: لقد وافق العيد هذا العام بأكبر إنجاز أنجزته الأمة الجزائرية في العصر الحديث يذكرنا به فاتح نوفمبر من كل عام، إنه شهر الانتصار على دولة العار وآثار الدمار الذي خلفه الإستدمار الذي أذل شعبا شريفا بالليل والنهار.
في مثل هذا اليوم ربعت أمـتي***** بالاحتـلال ونـالها ما نالها
ولعل من جعل الصليب  يظلها***** سينير من خلف الغيوم هلالها
ولقد كان الإسلام ولا يزال وقود هذه الأمة في حربها وسلمها فهو باني نهضتها وصانع عزّتها، ومجدها عندما خالطت بشاشته القلوب، ولامست أنواره النفوس، ولا تزال بلادنا ولله الحمد وفية لهذا الدين بما رسمت من قوانين وأحكام تحفظ بها حرمته وتصون قدسيته وتعلي شأن حفاظ كتابه، وتبني صروح المساجد والزوايا التي من حصونها انطلقت شرارة الثورة المجيدة، وها هي الجزائر الحديثة تضع المسجد ضمن أهم المشاريع الكبرى والثقيلة عندما شرعت في بناء المسجد الأعظم للجزائر لتبرهن للعالم على إسلامية ثورتها وروحانية نهضتها، وأن المساجد هي روافد هذا الدين وعمارها وزوارها هم  المؤمنون حقا بالله واليوم الآخر.
هنيئا لمن أشبع اليوم جائعا وأكسى عاريا أو زار مريضا أو ساعد بائسا أو أرشد حيرانا أو بر والديه ووسع على زوجته وأبنائه وذكر الله قلبا ولسانا، وتسبيحا وتهليلا والقرآن ترتيلا ثم صلاة وسلاما على أعظم الناس شأنا وأرفعهم مكانا ومرشدهم إلى الله زرافات ووحدانا سيد البشر وأكرم البدو والحضر سيدنا محمد بن عبد الله ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))[الأحزاب:56] .
والحمد لله رب العالمين.

بقلم الإمام الأستاذ: أحمد زيتوني بن يمينة
- مديرية عين الدفلى -

خطبة نمودجية لعيد الفطر المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم
بالجامع الكبير
التكبير سبعا
الحمدلة والاستهلال والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
الله أكبر ماصام الصائمون وأجابو أمر ربهم طائعين
الله أكبر ماقام القائمون ليالي رمضان راكعين وساجدين
الله أكبر ماقرؤوا القرآن وذكروا الله مخبتين
الله أكبر ماخرجوا في هذا اليوم السعيد مهللين ومكبرين
الله أكبر ماتزاوروا وتصافحوا وتسامحوا وأظهروا شعائر الدين
الله أكبرما أظهروا اثر نعمة الله عليهم وعلى أهليهم ووسعوا على فقراء المسلمين
الله أكبر الله أكبرالله أكبر
إخوة الإيمان
هذا يوم الجائزة يوم يطلع الله فيه على عباده وهم مستغرقون في التكبير والتحميد والتهليل فيباهي بهم ملائكته ويجازي من صام إيماناً واحتساباً خير الجزاء،فيغفر ويرحم "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" "إنه هو البر الرحيم"
إخوة الإيمان
هاأنتم بالأمس قد أنهيتم طاعتكم وقد دامت أياماً معدودات كما أمركم مولاكم وهاأنتم اليوم تكبرون الله وتشكرونه على أن وفقكم لطاعته كما قال تعالى:"ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون"
فهنيئا لكم طاعتكم بالصيام بالأمس وهنيئا لكم طاعتكم بالفطراليوم.
قال عليه الصلاة والسلام :"للصائم فرحتان؛فرحة بفطره وفرحة عند لقاء ربه"
فلكم أن تفرحوا بطاعةربكم وامتثالكم لأمره"قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"
فيسنّ للمسلم اليوم أن يظهر أثر نعمة الله عليه وإدخالُ السرور على الأهل والأحباب.
فالله أكبر ثلاثا
إخوة الإيمان
اليومَ يومُ تراحمٍ وتزاور وتسامح وتغافر ووداد،اليوم تندرس الأحقاد،وتنتهي العداوات،وتتصافح  القلوب، وتتعانق الأبدان،فيخيب حزب الشيطان.
في هذا اليوم تظهر عزة الأمة وقوتُها في هذه المشاعر الغامرة التي تعمر القلوب،قوة الأمة وعزتُها في تعانق المسلمين وتصافحهم وتآخيهم ،التي هي جزء أصيل من شعائر العيد في الإسلام،وهل يدخل العبدُ الجنةََ إلا إذاسلم قلبه من الأحقاد والبغضاء وسائر الأمراض؟
ألم يقل الله تعالى:"يوم لاينفع مال ولا بنون إلامن أتى الله بقلب سليم"؟
فلنحرص إخوة الإيمان على أن يصافح بعضنا بعضا بقلوب سليمة صافية من تلك الأكدار وأحب الناس إلى الله الذي يبد أ أخاه بالسلام."ادفع بالتي هي أحسن فإذاالذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم". فالله أكبر ثلاثا
إخوة الإيمان
انظروا إلى جمال هذا الدين وعظمته حين يجعل من مظهر الفرح والسرور في هذا اليوم شعيرةً من شعائر العيد،ثم ارجع البصر كرتين ترى عظمة هذا الدين  - تارة أخرى- وجمال شعائره حين يجعل من مظهر التعانق والتصافح والتسامح معنى من معاني العيدلا يكتمل إلا به.
وهل تتحد القلوب وتجتمع كلمة الأمة إلا إذا تصافحت القلوب والأرواح،وتسامح الناس ونبذوا العداوة والبغضاء التي تحلق الدين كما أخبر بذلك الصادق الأمين؟
وهل انتصرت الأمة في تاريخها وتغلبت على كيد المتربصين بها إلا حينما توحدت كلمتها واجتمع شملها؟
ولن تنتصر اليوم على كيد أعدائها ،وتحقق نهضتها ، إلا بتلك الوحدة وذلك التضامن.
ثم تأملوا إخوة الإيمان ماذا فعل الانقسام والتشتت في شعوبنا العربية والإسلامية اليوم،وما خلفه هذا الانقسام والتشتت من فتن واضطرابات لا يستفيد منها إلا العدو المتربص.
وليس بلدنا –حماها الله – بمنأى عن هذه التهديدات والمخاطر، لأن العدوَّ واحد والأطماعَ واحدة ،يترصد بلداننا وشعوبنا،ويتحيّن فرصةََ الانقضاض علينا."فيميلون عليكم ميلة واحدة"ولذلك أرشد الباري سبحانه فقال:"يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم".
وإذا كان بلدنا قد وقي بحمد الله تعالى شرور تلك الأخطار والمكايد فليس إلا بسبب توحد الأمة في مجموعها وانتظامها تحت قيادتها الحكيمة،وعدمِ تنازعِ الأمر بينها.
ولئن كانت الأمة-مجتمعاً ومؤسسات – قد نأت عن تلك الأخطار والفتن فلا يعني ذلك البتة ان هذه الأخطار قد انتهت وزالت.
فالله أكبر ثلاثا
إخوة الإيمان:
أخطر ما هنالك أن تتراجع الأمة؛ بعد ما ذاقت نعمة الأمن والعافية وسلكت سبيل السلامة من شر مايكاد لها ؛فتعطي أعداءها أسباب العبث بأمنها والنيل من تماسكها واستقرارها،بالتنافس غير الشريف والتنازع في الأمر والتفرق بعد اجتماع الكلمة.
واسمعوا إخوة الإيمان إلى دروس القرآن الغالية التي يسديها للأمة من درس أحد الذي مني المسلمون فيه بالهزيمة الثقيلة والانكسار بعد أن كانت الدائرة لهم،يعقِّب القرآن ويبين الخلل    " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "
إنهم لم يفشلوا يوم رأوا عدوهم فخافوه،ولم يفشلوا بسبب قوته وكيده،إنهم فشلوا وتنازعوا بعدما لاحت لهم ملامح الظفر والنجاة،هنالك تراجعوا وضعفوا أمام المغانم التي لاحت لأعينهم وتنافسوا على الدنيا ،قال تعالى:" منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة".
وكذلك   تنهار الحضارات وتزول الدول وتسقط المجتمعات إذا شاع فيها التنازع والتنافس المحموم على مغانمها ومناصبها .
فالله أكبر ثلاثا
إخوة الإيمان
أخطر من نتازع الأفراد تنازع مؤسسات المجتمع التي هي عماده وراعية مصالحه ومستقبله وأمنه،والمصلحة تقتضي أن تتكامل مؤسسات المجتمع لا أن تتنافس وتناقض؛ فالإعلام والاقتصاد والتربية والمسجد والثكنة والجامعة وغيرها..مؤسسات تخدم الهدف ذاته،ويكمل كل منها جهد الآخر؛هكذا تنتظم شؤون المجتمع وتثمر الجهود التي تبذل لنهضته وتنميته.
"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم"
الله أكبر ثلاثا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية:
التكبير خمسا
الاستهلال
إخوة الإيمان
هنالك ركنان أساسيان من أركان وحدة الأمة واستقرارها:
أولهما:انتظامها تحت قيادة واحدة رشيدة قل تعالى:" ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الآمر منكم".
ثانيهما: انتظامها في بيوت الله تحت راية العبودية لله التي تجمع الكلمة وتوحدالقلوب وترصُّ الصفوف،لقد ظلّت مساجدنا ولله الحمد طيلة هذا الشهر الكريم تجمع الجموع الغفيرة من المصلين ،وأنعم بذلك مظهرا من مظاهر الوحدة والانسجام تتجسد آثارها في واقع الحياة ان شاء الله أمنا وسكينة واطمئنانا ،هذا ماتنتجه المساجد وهذا مايجب أن تنتجه المساجد.
والجزائريون أكثر الشعوب معرفة بحقيقة اتحاد الجهود واجتماع الكلمة التي بفضلها يتنعمون اليوم بالحرية والاستقلال ،وفي الراهن ينعمون بالأمن والاستقرار ،لكن بالحفاظ على هذا السر الذي مجدته الشريعة إنه وحدة الصف واجتماع الكلمة ونبذ التفرق والتنازع الذي يفسد البلاد والعباد قال تعالى " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"
فلنحافظ على جمال الإسلام بتجسيد هذه المعاني التي هي شعائرُ تعبَّدَنا الله بها يوم العيد وسائر أيام السنة.
تكبير
اللهم تقبل منا الصيام  والقيام وصالح الأعمال ،اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم ،ولم شملهم  وجنبنا شرور الفتن ماظهر منها وما بطن، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين وارفع الله مقتك وغضبك عنا ولاتسلط علينا بذنوبنا من لايخافك فينا ولايرحمنا ..ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا منتهى سعينا.
اللهم احفظ ولي أمرنا وجمله بالصحة والعافية وافتح به وعلى يديه وأيده بروح منك ،واجعل له من لدنك ولياً واجعل له من لدنك نصيراً،وعافه من كل مكروه ياكريم.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح اللهم دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح اللهم آخرتنا التي فيها معاشنا ....
اللهم أعد علينا هذا العيد وعلى أمتنا وشعوبنا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام  تقبل الله منا ومنكم وغفر الله لنا ولكم وكل عام وانتم بألف خير.
الشيخ محمد مقاتلي